عبد الله بن أحمد النسفي

338

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 54 إلى 57 ] أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ( 54 ) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ( 55 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً ( 56 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ( 57 ) لهم نصيب من الملك فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً أي لو كان لهم نصيب من الملك ، أي ملك أهل الدنيا ، أو ملك اللّه ، فإذا لا يؤتون أحدا مقدار نقير لفرط بخلهم ، والنقير : النقرة في ظهر النواة ، وهو مثل في القلة كالفتيل . 54 - أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ بل أيحسدون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه ، وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم اللّه من النّصرة والغلبة وازدياد العزّ والتقدّم كلّ يوم فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ أي التوراة وَالْحِكْمَةَ المواعظ « 1 » والفقه وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً يعني ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السّلام ، وهذا إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء اللّه الكتاب والحكمة آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد عليه السّلام ، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه اللّه مثل ما أوتي أسلافه . 55 - فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ فمن اليهود من آمن بما ذكر من حديث آل إبراهيم وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وأنكره مع علمه بصحته ، أو من اليهود من آمن برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومنهم من أنكر نبوّته وأعرض عنه وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً للصّادّين . 56 - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ندخلهم ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ احترقت « 2 » بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها أعدنا تلك الجلود غير محترقة ، فالتبديل والتغيير لتغاير الهيئتين لا لتغاير الأصلين عند أهل الحقّ خلافا للكرّامية « 3 » ، وعن فضيل يجعل النضيج غير نضيج لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز : أعزّك اللّه أي أدامك على عزّك إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً غالبا بالانتقام لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين حَكِيماً فيما يفعل بالكافرين . 57 - وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ

--> ( 1 ) في ( ز ) الموعظة . ( 2 ) في ( ز ) أحرقت . ( 3 ) الكرّامية : أصحاب أبي عبد اللّه محمد بن كرّام وكان ممن يثبت الصفات إلا أنه ينتهي فيها إلى التجسيم والتشبيه وتوفي ابن كرام سنة 255 ه ( الملل والنحل - الفصل الثالث ص 46 ) .